في تطور سياسي خطير تشهده مدغشقر، ظهر الرئيس أندري راجولينا مساء الاثنين في بث مباشر عبر صفحته الرسمية على فيسبوك ليؤكد أنه "في مكان آمن" بعد ما وصفه بـ"محاولة اغتيال وانقلاب جزئي" ضد حكمه، وذلك في أول خطاب علني له منذ تصاعد التوترات وانضمام وحدات من الجيش إلى صفوف المتظاهرين المناهضين للحكومة.
يأتي هذا الخطاب بعد أسابيع من الاحتجاجات التي اجتاحت العاصمة أنتاناناريفو ومدنًا أخرى منذ أواخر سبتمبر، احتجاجًا على تدهور الأوضاع الاقتصادية والخدمية في البلاد.
تفاصيل الظهور المفاجئ للرئيس
خلال الخطاب، الذي بُث مباشرة مساء الإثنين 13 أكتوبر عبر الصفحة الرسمية لرئاسة الجمهورية على فيسبوك، قال الرئيس البالغ من العمر 51 عامًا:
“أنا الآن في مكان آمن بعد محاولة اغتيال فاشلة. الطريق الوحيد لحل الأزمة الحالية هو احترام الدستور.”
وأوضح راجولينا أن مجموعة من “العسكريين والساسة” حاولوا الإطاحة به بالقوة، مؤكدًا أنه لن يستقيل وأنه “منفتح على الحوار” من أجل تجاوز الأزمة دون سفك دماء.
وأضاف:
“اضطررت إلى مغادرة مكتبي لحماية حياتي، لكنني لم أتوقف عن البحث عن حلول سلمية تحفظ وحدة البلاد.”
أنباء عن مغادرة الرئيس البلاد
ذكرت إذاعة فرنسا الدولية (RFI) أن راجولينا غادر البلاد يوم الأحد السابق عبر طائرة عسكرية فرنسية متجهة إلى جزيرة لا ريونيون التابعة لفرنسا في المحيط الهندي، قبل أن يسافر مع أسرته إلى وجهة غير معلومة.
وفي المقابل، رفضت الرئاسة تأكيد أو نفي هذه المعلومات، مكتفية بالقول إن الرئيس "يتابع التطورات لحظة بلحظة".
كما أشار زعيم المعارضة سيتيني راندرياناسولونيايكو إلى أن عدة موظفين بالرئاسة أبلغوه أن الرئيس "غادر بالفعل الأراضي الوطنية"، معتبرًا ذلك "تخليًا عن المسؤولية في لحظة حاسمة من تاريخ البلاد".
ردود الفعل السياسية والدولية
في أول تعليق خارجي، قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أثناء زيارته لمصر إنه "لا يؤكد أي معلومات بشأن مغادرة راجولينا"، لكنه عبّر عن "قلق بالغ إزاء الوضع في مدغشقر".
من جانبه، دعا الاتحاد الإفريقي وجامعة الدول الإفريقية إلى "التحلي بأقصى درجات ضبط النفس" و"تغليب الحوار الوطني على المواجهة".
أما محليًا، فقد أكد رئيس الوزراء في خطاب منفصل أن الحكومة "ما زالت تعمل بشكل طبيعي"، مشيرًا إلى أن أولويتها "الحفاظ على استقرار البلاد والمؤسسات الدستورية".
المظاهرات تتصاعد رغم الخطاب
لم ينجح خطاب الرئيس في تهدئة الشارع.
فقد خرج آلاف المواطنين في العاصمة أنتاناناريفو مساء الاثنين، مرددين الأناشيد الوطنية ومطالبين باستقالة الرئيس، مع رفع صور ضحايا الاحتجاجات الأخيرة.
وردد المحتجون شعارات من قبيل:
“نريد دولة عادلة لا تخاف من شعبها!”
“الشعب أقوى من القصر!”
وتشير التقارير إلى أن المظاهرات بدأت سلمية لكنها تحولت في بعض المناطق إلى مواجهات مع قوات الأمن، مما أسفر عن سقوط مزيد من الضحايا.
محاولة اغتيال وانقسام عسكري
أوضح الرئيس في خطابه أن “محاولة اغتياله” نُفذت قبل أيام على يد مجموعة من العسكريين والسياسيين، دون أن يذكر أسماء.
وأكد أن مجموعة من الجنود المسلحين اقتحموا مقر التلفزيون الوطني أثناء التحضير لبث كلمته، مما أجبره على اللجوء إلى بثها عبر الإنترنت.
في الوقت نفسه، أعلنت وحدة CAPSAT العسكرية – وهي من أبرز وحدات الجيش – أنها "لن تطيع أوامر السلطة السياسية"، معلنة تأييدها للمحتجين.
ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تمثل أكبر انقسام داخل الجيش منذ انقلاب عام 2009 الذي أوصل راجولينا نفسه إلى الحكم.
خسائر بشرية واقتصادية
أفادت الأمم المتحدة أن عدد القتلى في الأيام الأولى للاحتجاجات تجاوز 22 شخصًا، بعضهم قضى في مواجهات مباشرة مع قوات الأمن، والبعض الآخر في أعمال نهب وفوضى تلت المظاهرات.
وتشير تقديرات المنظمات الإنسانية إلى أن نحو 80% من سكان مدغشقر – أي ما يقارب 32 مليون نسمة – يعيشون تحت خط الفقر، بأقل من 3 دولارات يوميًا، ما يجعل الأوضاع الاجتماعية شديدة الهشاشة.
كما حذر الرئيس في خطابه من أن استمرار الاضطرابات سيؤدي إلى تجميد المساعدات الدولية، وهو ما حدث عقب انقلاب 2009 حين علّقت المؤسسات الدولية تمويلها لمشاريع التنمية في البلاد.
تحليل: أزمة شرعية تتجدد
يرى خبراء السياسة الأفريقية أن الأزمة الحالية ليست مجرد “انقلاب عسكري” أو “احتجاج اجتماعي”، بل هي أزمة شرعية متجذرة في النظام السياسي منذ أكثر من عقد.
فمنذ تولي راجولينا الحكم لأول مرة عام 2009 إثر انقلاب عسكري، واجهت مدغشقر سلسلة من الأزمات السياسية والاقتصادية، وكان آخرها في انتخابات 2023 التي فاز بها بعد مقاطعة المعارضة.
ويرى المحلل السياسي جان بيير رافالاهاري أن "الرئيس فقد الدعم الشعبي والجيشي معًا، وأصبح معزولًا داخليًا"، مضيفًا أن "الخروج من الأزمة يتطلب حوارًا وطنيًا حقيقيًا يشارك فيه الجميع".
السيناريوهات المحتملة
-
تشكيل حكومة انتقالية
قد يتم التوصل إلى اتفاق داخلي برعاية الاتحاد الإفريقي لتشكيل حكومة مؤقتة تنظم انتخابات مبكرة. -
استقالة الرئيس أو عزله دستوريًا
في حال استمرار غيابه، يمكن للبرلمان إعلان شغور المنصب وتكليف نائب الرئيس بإدارة شؤون البلاد مؤقتًا. -
تصعيد عسكري أو انقلاب شامل
إذا تصاعدت المواجهات بين القوات الموالية والمتمردة، فقد ينزلق البلد نحو صراع داخلي واسع. -
وساطة دولية
فرنسا أو دول الجوار مثل موزمبيق قد تتدخل لتسهيل انتقال سلمي للسلطة ومنع الفوضى.
تداعيات الأزمة على المواطنين
تسببت الأزمة في شلل اقتصادي شبه كامل في العاصمة.
أُغلقت المدارس والبنوك، وتوقفت حركة النقل بين المدن.
كما ارتفعت أسعار المواد الغذائية بنسبة تجاوزت 25% في بعض الأسواق.
ويخشى المواطنون من نقص في الوقود والمواد الأساسية إذا استمرت الأزمة لأيام إضافية.
ردود أفعال منظمات المجتمع المدني
دعت منظمات حقوقية محلية إلى وقف العنف فورًا وفتح قنوات حوار شفاف بين الحكومة والمتظاهرين.
كما طالبت منظمة العفو الدولية السلطات “باحترام الحق في التظاهر السلمي والتحقيق في الانتهاكات التي وقعت خلال الأسابيع الماضية”.
خاتمة الخبر
ظهور الرئيس راجولينا على فيسبوك ليعلن أنه "في مكان آمن" لم يُنهِ التساؤلات بل زادها.
فبينما يؤكد أنه ما زال يمسك بزمام الأمور، تشير الأحداث على الأرض إلى أن مدغشقر تدخل مرحلة غموض سياسي وأمني غير مسبوقة.
ويبقى السؤال المطروح اليوم:
هل تنجح البلاد في تجنب الانزلاق إلى فوضى جديدة كما حدث عام 2009، أم أن التاريخ سيعيد نفسه بشكل أكثر عنفًا؟
الأسئلة الشائعة (FAQs)
1. هل غادر الرئيس مدغشقر بالفعل؟
وفق مصادر إعلامية فرنسية، يُعتقد أنه غادر إلى الخارج مع عائلته، لكن الرئاسة لم تؤكد ذلك رسميًا.
2. هل ما يحدث يعتبر انقلابًا؟
السلطات تصفه بمحاولة انقلاب، بينما تصفه المعارضة بـ"حركة تصحيحية".
3. كم عدد القتلى في الاحتجاجات؟
الأمم المتحدة تحدثت عن 22 قتيلًا على الأقل خلال الأسبوع الأول للأحداث.
4. ما دور الجيش في الأزمة؟
الجيش منقسم بين وحدات موالية للرئيس وأخرى أعلنت تأييدها للمحتجين.
5. كيف تأثرت حياة المواطنين؟
ارتفعت الأسعار وتوقفت الخدمات، وتراجع مستوى الأمان في المدن الكبرى.
